|
الإيجاز من أساليب البُلغاء, وروعة كلام الفُصحاء, ويكفي أن خير الكلام ماقَلّ ودَلّ, وأن مِمَّا فُضِّل به النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأنبياء أن أوتي جوامع الكَلِم واختُصر له الكلام اختصاراً... ولقد عرف العرب قديماً الإيجاز في فَن القول, حيث تُغني الكلمة ــ بما تلقيه في نفس المتلقّي مِن إيحاءات ــ عن الإطالة, فذكروا "أن اللّبيب بالإشارة يفهم " أو" رب إشارة أبلغ مِن عبارة". وفي تفضيل الإيجاز يقول جعفر بن يحيى لِكُتّابه: إن قدرتم أَن تجعلوا كُتبكم توقيعات فافعلوا.. وقد قيل لبعضهم:ما البلاغة؟ قال: الإيجاز, قيل: وما الإيجاز؟ قال: حذف الفضول وتقريب البعيد. كأنَّ الذين يجيدون الإيجاز مِن البشر هُم في قِمّة البلاغة, فكيف إذا كان الإيجاز من رب البشر وخالق العباد؟ وفي القُرآن كُل مَا ذكره العُلمَاء مِن ألوان الإيجاز. وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:مارأيت بليغاً قط إلاَّ وَلَهُ في القول إيجاز, وفي المعاني إطالة(1). يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات: والأسلوب العربي موسوم بالإيجاز مُنذ أصل النشأة؛ لأنه أسلوب أُمة صافية الذهن, دقيقة الحس, سريعة الفهم, فهو في بلاغة العرب أصل وروح وطبع(2). وإذا كان الإيجاز مع الإفصاح غاية ما يتبارى إليه فصحاؤهم, فقد جاء القُرآن بغرائب من ذلك, فإنك تجد في تراكيبه حذفاً, ولكنّك لاتعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه, من لفظ أو سياق, زيادة على جمعه المعاني الكثيرة في الكلام القليل, فالإيجاز ــ إذاً ــ ليس إبهاماً أو غموضاً في القُرآن. يقول صاحب النبأ العظيم(3): انظر حيث شئت من القُرآن تجد بياناً قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير, فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير, يؤدّي لك من كل معنى صورة نقيّة وافية, نقيّة لا يشوبها شيء مِمَّا هو غريب عنها, وافية لا يشذ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية, كُل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه.. ويقول القاضي عياض(4): وأنت لو تَأمّلت أكثر آي القُرآن لحقّقت إيجاز ألفاظها, وكثرة معانيها, وديباجة عباراتها, وحُسن تأليف حروفها, وتلاؤم كلمها, وأنه تحت كُل لفظة منها جُملاً كثيرة, وفصولاً جَمَّة, وعلوماً زواخر, ملئت الدّواوين من بعض ما استفيد منه, وكثرت المقالات في المستنبطات عنها.. ومِن أمثلته: 1ـ قوله تعالى: ? إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ? القصص:4 يقول الباقلاني: هذه تشتمل على سِت كلمات, سناؤها وضياؤها على ما ترى, وسلاستها وماؤها على ما تشاهد, ورونقها على ما تعاين, وفصاحتها على ماتعرف. وهي تشتمل على جُملة وتفصيل, وجامعة وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء, وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما؟!. لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم, والقلوب لا تقر على هذا الجور, ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد, وكفت في التظليم,وردّت آخر الكلام على أوّله, وعطفت عجزه على صدره(5).. 2ـ قوله تعالى: ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ? (البقرة:251). تشير الآية إلى الصراع الدائم بين الخير والشر, وبين الحق والباطل, وبين الفضيلة والرذيلة, وأن سيطرة الشر والباطل والرذيلة يؤدّي إلى فساد الأرض, ولا يزول هذا الفساد إلاَّ بمقاومة الخير والحق والفضيلة له(6). 3ـ قوله سُبحانه: ? فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ? ( الحجر:94) قال صاحب الصناعتين: ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء, لما في قوله ( فاصدع ) من الدلالة على التأثير كتأثير الصدع(7). وقال ابن أبي الأصبع: المعنى: صَرِّحْ بجميع ما أوحي إليك, وبلِّغْ كُل ما أُمِرْتَ ببيانه, وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت, والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب, فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط, ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة, فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظيم إيجازها, وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة(8). وقد حُكي عن بعض الأعراب أنه لماَّ سمع هذه الآية سجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام(9). 4ـ قوله تعالى: ? إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون? ( النحل:90). في هذه الآية يأمر الله عز وجل بمكارم الأخلاق وينهى عن سفاسفها, فإن ( العدل) هو الصراط المستقيم المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط.. و( الإحسان) هو الإخلاص في واجبات العبودية, لتفسيره في الحديث بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه" أي تعبده مُخلصاً في نيّتك.. و( إيتاء ذي القُربى) هو الزيادة على الواجب من النوافل.. هذا في الأوامر. وأمَّا النواهي في قوله: ? وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ ? النحل:90 فبـ( الفحشاء) الإشارة إلى القوة الشهوانية, وبـ ( المُنكر) إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضيبة, أو كُل مُحرّم شرعاً, وبـ ( البغي) إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية, ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه الآية" أخرجه المستدرك. تأمّل.. أمر الله في أول الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى, ونهى في وسطها عن الفحشاء والُمنكر والبغي.. ووعظ في آخرها وذكر, فجمع هذا ضروباً من البيان, وأنواعاً من الإحسان. فذكر العدل والإحسان والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق ــ أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه ــ وجمع فيها بين الطباق اللفظي والطباق المعنوي. أمَّا اللّفظي ففي قوله إن الله يأمر..وينهى. وأمّا المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى, وقوله الفحشاء والمنكر والبغي, فإن الثلاثة الأواخر ضد الثلاثة الأُول, لأن الثلاثة الأُول من الفعل الحسن, والثلاثة الأواخر من القبيح, فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية. ثم بيّن خصوصية ذوي القُربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهُم, مع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم. وبدأ بالعدل لأنه فرض, وتلاه بالإحسان لأنه مندوب إليه وقد يجب, فاحتوت الآية على حُسن النسق, وعطف الجُمل بعضها على بعض, فقدّم العدل وعطف عليه الإحسان الذي هو جنس عام, وخص منه نوعاً خاصّاً وهو إيتاء ذي القُربى, ثم أتى بالأمر مقدّماً وعطف عليه النهي بالواو, ثم رتّب جُمل المنهيّات, كما رتّب جُمل المأمورات في العطف, حيث لم يتأخّر في الكلام ما يجب تقديمه, ولم يتقدّم عليه ما يجب تأخيره, ثم ختم كل ذلك بأمور مستحسنة, ودعا إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. فاحتوت الآية على ضروب من المحاسن والقضايا, وأشتات من الأوامر والنواهي والمواعظ والوصايا, ما لو بثّ في أسفار عديدة لما أسفرت عن وجوه معانيها, ولا احتوت على أصولها ومبانيها. روى البيهقي ــ في شعب الإيمان ــ عن الحسن أنه قرأها, ثم وقف فقال:" إن الله جمع لكم الخير والشر كُلّه في آية واحدة, فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلاّ جمعه, ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلاّ جمعه"(10). 5ـ قوله تعالى: ? خُذ العفوَ وأمُرْ بالعُرف وأعرض عن الجاهلين? (الأعراف:199). حيث جمع الله في هذه الآية الوجيزة كُل خُلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين, والصفح عن الظالمين, وإعطاء المانعين. وفي الأمر بالمعروف: تقوى الله, وصلة الأرحام, وصون اللسان عن الكذب, وغض الطرف عن المحرّمات, والتبرؤ من كُل قبيح, لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئاً من الُمنكر. وإنّما سُمّي هذا وما أشبهه عُرفاً ومعروفاً: لأن كل نفس تعرفه, وكل قلب يطمئن إليه. وفي الإعراض عن الجاهلين: الصبر, والحلم, وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ومنازعة اللجوج(11). وهكذا القُرآن الكريم في كثير من آياته نتبيّن إيجاز ألفاظها, وكثرة معانيها,وديباجة عباراتها, وحُسن تأليف حروفها, وتلاؤم كلمها, وأن تحت كُل لفظة منها جُملاً كثيرة, وأقوالاً جَمَّة, وعلوماً زواخر..
|