ظواهر لغوية من لهجة طيِّئ القديمة - 1

 

 

ظواهر لغوية من لهجة طيِّئ القديمة - 1

د. رمضان عبد التواب

 تاريخ الإضافة: 04/05/2009 م

 عدد القراء    : 1312
 

 

(1) لغة أكلوني البراغيث :  افراد الفعل دائماً .
من المعروف في العربية الفصحى، أن الفعل يجب إفراده دائمًا، حتى وإن كان فاعله مثنىً أو مجموعًا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلاً: "قام الرجل" و " قام الرجلان " و" قام الرجال" بإفراد الفعل "قام" دائمًا، إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" و " لا قاموا الرجال " .
وعلى هذا النحو، جاءت جمهرة الجمل الفعلية في القرآن الكريم، يقول اللـه تعالى مثلاً:  وكأين من نبي قاتل معه ربِّيون كثير  ( آل عمران 3/146 ) ولم يقل: قاتلوا معه. كما قال جل شأنه:  إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا  ( آل عمران 3/122 ) ولم يقل : همتا طائفتان .
تلك هي القاعدة المطردة، في العربية الفصحى، شعرًا ونثرًا. أما قبيلة طيئ، فقد روي لنا عنها(همع الهوامع 1/160 والنهاية لابن الأثير 3/297 ، والفائق للزمخشري 3/74 ) أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع.
وتعرف هذه الظاهرة عند النحاة العرب بلغة " أكلوني البراغيث " وقد عرفت عندهم بهذا الاسم؛ لأن سيبويه هو أول من مثل لها في كتابه واختار هذا المثل، فقال : " في قول من قال: أكلوني البراغيث "(كتاب سيبويه 1/5)، كما قـال في موضع آخـر: " ومن قال :
أكلوني البراغيث، قلت على حد قوله: مررت برجل أعورين أبواه "(1) ، وإن كان قد ضرب لهذه الظاهرة أمثلة أخرى في كتابه، فقال: " واعلم أن من العرب من يقول : ضربوني قومك وضرباني أخواك، فشبهوا هذه بالتاء التي يظهرونها في : قالت فلانة فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة، كما جعلوا للمؤنث علامة، وهي قليلة "(2).
وتدل مقارنة اللغات السامية، أخوات العربية، على أن الأصل في تلك اللغات، أن يلحق الفعل علامة التثنية والجمع للفاعل المثنى والمجموع، كما تلحقه علامة التأنيث، عندما يكون الفاعل مؤنثًا، سواء بسواء .
ففي اللغة العبرية مثلا: wayyāmōtū gam šnēhem mohlōm w – kilgōn  وترجمته الحرفية :" فماتا كلاهما محلون وكليون "(3)  .ومثل ذلك أيضًا فيها : lō yākōmū ršā˘tm bammišpāt وترجمته الحرفية :" لا يقومون الأشرار بالعدل"(4).
ومثل ذلك في الآرامية، في نحو: dalmā ngūrūn hrānē battāk  وترجمته  الحرفية :" لئلا يزنوا الآخرون بامرأتك "(5).
وكذلك الحال في الحبشية في نحو:wahōrū āhzāb  وترجمته الحرفية: " فعادوا الشعوب  "(6). ومثل ذلك أيضًا: wabazhū welūdōmū وترجمته الحرفية: "وكثروا أطفالهم  "(7).
وقد تخلصت العربية الفصحى من هذه الظاهرة رويدًا رويدًا، أخذًا بمبدأ الاستغناء عن بعض العلامات، عند تكدُّسها للدلالة على الظاهرة الواحدة، فإن الذي كان يدل على التثنية هنا هو علامة التثنية في الفعل، ووضع الفاعل في صيغة المثنى. وكذلك كان يدل على الجمع علامته المتصلة بالفعل، ووضع الفاعل في صيغة الجمع.
وإذا استغنت اللغة عن العلامات المتصلة بالفعل، لم تخسر الدلالة على التثنية والجمع، لوجود ما يدل عليهما في صيغة الفاعل نفسها، ولذلك قال سيبويه : "وإنما قالت العرب: قال قومك، وقال أبوك؛ لأنهم اكتفوا بما أظهروا، عن أن يقولوا قالا أبواك، وقالوا قومك، فحذفوا ذلك، اكتفاء بما أظهروا " (8) .
وإذا كانت العربية الفصحى قد تخلصت رويدًا رويدًا من هذه الظاهرة، فإن بقاياها ظلت حية عند بعض القبائل العربية القديمة كقبيلة طيئ، وقد حُكيت لنا هذه اللغة كذلك عن قبيلة" بلحارث بن كعب " (9)، وقبيلة " أزد شنوءة " (10) وهما من القبائل، التي تمتّ لأصل قبيلة طيئ بصلة " (11) .
كما بقيت بعض أمثلتها في العربية الفصحى: في القرآن الكريم، والحديث الشريف، واحتفظ بها الكثير من أبيات الشعر العربي القديم .
أما القرآن الكريم، فقد ورد فيه قوله تعالى:  ثم عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ منهم  (سورة المائدة 5/71)، وقوله عز وجل:  وأسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظلموا  ( سورة الأنبياء 21/3).
وقد أكثر النحويون، والمفسرون، وعلماء اللغة العرب، القول في تخريج هاتين الآيتين الكريمتين، فقد قال الإمام القرطبي في تفسير الآية الأولى مثلاً:" ثم عموا وصموا كثير منهم أي عَمِيَ كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه السلام، فارتفع ( كثير ) على البدال من الواو، كما تقول: رأيت قومك ثلثيهم. وإن شئت كان على إضمار مبتدأ، أي العُمْيُ والصُّمّ كثير منهم. ويجوز أن يكون على لغة من قال : أكلوني البراغيث"(12) .
كما قال في الآية الثانية:  وأسرّوا النجوى الذين ظلمو  أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بيّن من هم ، فقال : الذين ظلموا، أي الذين أشركوا، فالذين ظلموا، بدل من الواو في ( أسرّوا) وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم، قال المبرّد: وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد اللـه، فبنوا بدل من الواو في : انطلقوا. وقيل هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول، أي يقول الذين ظلموا. وقول رابع: أن يكون منصوبًا بمعنى أعني الذين ظلموا. وأجاز الفراء أن يكون خفضًا بمعنى: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، فهذه خمسة أقوال. وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهو حسن. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، ومجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى " (13) .
تلك هي آراء المفسرين والنحاة واللغويين العرب في هذه الظاهرة، وهم فيها مقلّبون لكل الأوجه الممكنة في العربية، من التخريج والتأويل .
ومما جاء في الحديث الشريف، قوله e:" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " (14) بدلاً من: تتعاقب فيكم ملائكة، وإن كان بعض العلماء يرى في هذا الحديث، أنه مختصر من حديث طويل، وأن الواو فيه ضمير، يعود على اسم    ظاهر متقدم، وليس علامة جمع، وأن أصل الحديث:" إن للـه ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار " (15) .
وقـد وردت هذه الظاهرة في بعض أحاديث الصحابة والتابعين، كما في قول
الحسن البصري يصف طالب العلم:" قد أوكدتاه يداه، وأعمدتاه رجلاه " (16).
أما أبيات الشعر القديم التي وردت فيها هذه الظاهرة، فما أكثرها في دواوين الشعر العربي. ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن مِلْقط الطائي وهو شاعر جاهلي:
أُلفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه (17)
بدلاً من: ألفيت عيناك. ومثله قول أمية بن أبي الصلت:
يلوموننى في اشتراء النخيـ ـل أهلي فكلُّهُمُ يعذلُ (18)
بدلاً من: يلومني أهلي. وكذلك قول أبي عبد الرحمن العتبي :
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عنّى بالخدود النواضر(19)
أي: رأت الغواني. كما يقول الفرزدق :
ولكن دَيَافيٌّ أبوه وأمه بِحَوْران يعصرن السَّلِيط أقاربُه (20)
أي يعصر أقاربه . ويقول عبيد الله بن قيس الرقيّات :
تولّى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعدٌ وحميم(21)
أي: أسلمه مبعد وحميم. وكذلك يقول عروة بن الورد :
دعيني للغِنَى أسعي فإنـي رأيت النـاس شرُّهم الفقير
وأبعدهم وأهونهم عليهم وإن كانا له نَسَبٌ وخير(22)
ولو أحدقوا بي الإنس والجنّ كلهم لكي يمنعوني أن أجِيكِ لَجِيتُ (23)
أي: ولو أحدق الإنس والجن . ومثله قول الشاعر :
نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ولَوَ انهم خذلوك كنتَ ذليلا(24)
أي: نصرك قومي. ومثله أيضًا قول الآخر:
نُسيا حاتم وأوس لدن فا ضت عطاياك يا بن عبد العزيز(25)
أي نُسِي حاتم وأوس .
وغير ذلك كثير في الشعر العربي القديم. وقد استمرت هذه الظاهرة في أشعار المولّدين من الطائيين، فها هو أبو تمام الطائي يمتلئ ديوان شعره بالأبيات التي جاءت على هذه اللغة، مثل قوله:
شجًى في الحَشَى ترداده ليس يفتُر به صُمْنَ آمالي وإني لمفطر
وقد قال عنه أبو العلاء المعرى في هذا الموضع (26) :" يبين في كلام الطائي أنه كان يختار بإظهار علامة الجمع في الفعل، بمثل قوله: صمن آمالي. ولو قال: صام آمالي، لاستقام الوزن. وقد جاء بمثل ذلك في غير هذا الموضع ".
ومن أمثلة ذلك في شعره أيضًا:
وغدًا تبيَّنُ كيف غبّ مدائحي إن ملن بي هممي إلى بغداد (27)
ومنها كذلك قوله:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحِجَا هلكن إذن من جهلهن البهائم (28)
وقد جاءت بعض أمثلة هذه الظاهرة في شعر المتنبي، فمن ذلك قوله:
ورمى وما رمتا يداه فصابني سهمٌ يعذّب والسهام تريح (29)
وقال كذلك:
نَفْدِيكَ من سَيْلٍ إذا سُئِل النَّدَى هَوْلٍ إذا اخْتَلَطا دَمٌ ومَسِيحُ (30)
ويبدو أن هذه الظاهرة كانت شائعة في عصر الحريري ( المتوفى سنة 516هـ ) الذي عدها من اللحن(31)، ورد عليه الشهاب الخفاجي فقال:" وليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم من العرب، يجعلون الألف والواو حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلاً. وتعرف بين النحاة بلغة أكلوني البراغيث، لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة طيئ كما قاله الزمخشري. وقد وقع منها الآيات والأحاديث، وكلام الفصحاء، مالا يحصى " (32).
وقد بقيت هذه الظاهرة، شائعة في كثير من اللهجات العربية الحديثة، كقولنا مثلاً في لغة الخطاب في مصر: " ظلموني الناس" و" زارونا الجيران" . والله أعلم.

(2) ذو الموصولة :


تستخدم قبيلة طيئ (ذو) اسمًا موصولاً وهو اسم موصول قديم في اللغات السامية، منه بقايا في لغة الشعر العبرية (33)، ومن أمثلته فيها: Hàlà ˜adōnày zū hattànūlō " أليس الرب الذي أخطأنا إليه "(34). وقد ورد كذلك في نقش عربي قديم، هو "نقش النِّمارة " الذي اكتشفه المستشرق ( رينيه دِيسُّو ) في مدفن امرئ القيس بن عمرو بن عديّ، ويرجع تاريخه إلى سنة 328 بعد الميلاد، ففي السطر الأول من هذا النقش، نقرأ  الجملة التالية: " تِي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله ذو أسر التّج "، وهي تعني :" هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلها الذي حاز التاج "(35).
وقد شاع استخدام ( ذو ) هذه في كلام أهل طيئ، اسمًا موصولاً عامًّا للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث بصورة واحدة لا تتغير في كل ذلك (36).
وهي كثيرة الورود بهذه الصورة في أشعار طيئ، فمن أمثلة ذلك قول سنان الطائى:
فإن الماء ماء أبي وجَدّي وبئري ذو حفرتُ وذو طويتُ (37)
وقول قيس بن جروة الطائي الملقب بعارق :
لئن لم تغيّر بعضَ ما قد صنعتُمُ لأنْتَحِيَن للعظيم ذو أنا عارقُه (38)
وقول بُجير بن عنمة الطائي :
وإنّ مولاي ذو يعاتبني لا إحنة عنـده ولا جـــرمه
ذاك خليلي وذو يعاتبني يرمي ورائي بامسهم وامسلمه(39)
وقول قوال الطائي :
قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيًا هلم فإن المشرفي الفرائض(40)
وقوله كذلك :
أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ستلقاك بيض للنفوس قوابض(41)
وقول ملحة الجرمي الطائي :
يغادر محض المـاء ذو هـو محضه على إثـره إن كان للماء مـن محض يروِّي العروق الهامدات من البِلَى من العرفج النجديّ ذو باد والحمض(42)
وقول حاتم الطائي:
إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا بموت فكن ياوَهْمُ ذو يتأخر (43)
وقوله كذلك:
ومن حسد يجور علىّ قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني (44)
وقوله أيضًا:
كلوا ما به خُضْرًا وصُفْرًا ويانعا هنيًّا وخير النفع ذو لا يكَدَّرُ (45)
كما قال رجل من طيئ أدرك الإسلام:
فإن بيت تميم ذو سمعت به فيه تَنَمَّت وأرست عزّها مضر (46)
وقد وردت هذه الظاهرة كذلك في شعر رجل من بني أسد (وقبيلة أسد تجاور طيئًا) وهو منظور بن سحيم الفقعسي الأسدي، في قوله:
فإما كرام موسرون أتيتهم فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا (47)
 
كما وردت هذه الظاهرة أيضًا في أمثال قبيلة طيئ، نحو قولهم :" أتَى عليهم ذُو أَتَى"(48) أي أتى عليهم الذي أتى على الناس، وهو الموت .
وجاءت كذلك في قول زيد الخيل الطائي لبني فزارة، وذكر عامر بن الطفيل:
" بإني أرى في عامر ذو ترون "(49). ويروي الجاحظ عن الأصمعي أنه قال:" قال أبو سليمان الفقعسي لأعرابي من طيئ: أيا مرأتك حمل ؟ قال: لا وذو بيته في السماء، ما أدري! واللـه مالها ذنب تشتال به، وما آتيتها إلا وهي ضبعة " (50).
كما وردت ( ذو ) الموصولة أيضًا على لسان ( حذيفة بن سور العجلاني ) حين قابل الأصمعي فسأله من هو ؟ قال الأصمعي: أنا عبد الملك بن قريب الأصمعي. فقال حذيقة : ذو يتتبع الأعراب، فيكتب ألفاظهم ‍‍!! (51).
ويبدو أن قبيلة طيئ لم تكن كلها تجعل ( ذو ) الموصولة ملازمة لحالة واحدة دائمًا، فقد كان بعض الطائيين يجريها مجرى ( ذي ) بمعنى صاحب، فيقيسها عليها ويعربها بالحروف. قال المرادي:" وبعض طيئ يعرب ( ذو ) الطائية إعراب التي بمعنى صاحب فيقول: جاء ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام " (52). وقد حكى ذلك ابن الدهان أيضًا(53)، وعلى لغة هؤلاء قول منظور بن سحيم السابق:
فإما كرام موسرون أتيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (54)
 
كما أن بعض الطائيين يفرق بين المذكر والمؤنث في الموصول، فيجعل (ذو) للمذكر مطلقًا، مفردًا ومثنًّى ومجموعًا، و(ذات) للمؤنث مطلقًا، مفردًا ومثنًّى ومجموعًا كذلك(55). قال ابن الشجري:" وذو موحدة على كل حال في التثنية والجمع، وكذلك ذاتُ موحدة مضمومة في كل حال" (56) وحكى هذه اللغة الجزولي (57) .
وقد جاء عليها ما رواه الفراء في كتابه "لغات القرآن" من أنه سمع أعرابيًّا من طيئ يسأل ويقول:" بالفضل ذو فضلكم الله به ، وبالكرامة ذاتُ أكرمكم اللهَ بهْ "(58) أي بِهّا .
وبعض هؤلاء الطائيين يصرّف هذا الاسم تصريفًا كاملاً، يختلف في المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث (59) . فيقول: هذا ذو نعرف، وهذان ذوا نعرف، وهؤلاء ذوو نعرف، وهذه ذات نعرف، وهاتان ذواتا نعرف، وهؤلاء ذوات نعرف. ويضمون التاء من: ( ذاتُ ) و (ذواتُ )على كل حال .
وأنشد الفراء على هذه اللغة قول رؤبة بن العجاج:
* جمعتها مـن أنيق مـوارق *
* ذواتُ ينهضن بغير سائق *(60)
وخلاصة القول في هذه المسألة، أن طيئًا تنقسم في ( ذو ) الموصولة على أربع فرق :
الأولى: توحّد ( ذو ) دائمًا، وتبنيها على الضم .
الثانية: توحّد ( ذو ) دائمًا وتعربها إعراب ( ذي ) بمعنى صاحب .
الثالثة: تجعل ( ذو ) للمفرد المذكر ومثناه ومجموعه، و( ذاتُ ) للمفرد المؤنث ومثناه ومجموعه .
الرابعة: تصرّف (ذو) على حسب الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث.
والفرقة الأولى تمثل الظاهرة في صورتها القديمة بدليل ما في العبرية والنقوش العربية القديمة. وما عند غير هذه الفرقة تطور لعب فيه القياس اللغوي دورًا كبيرًا، واللـه أعلم .

(3) الوقف على تاء التأنيث:


من المعروف أن العربية الفصحى تقف على تاء التأنيث في الاسم بالهاء(61) ، ولكن قبيلة طيئ وحدها، من بين القبائل العربية القديمة، كانت تقف على هذه التاء بغير إبدال، فتبقيها تاء كحالتها في الوصل سواء بسواء، قال الفراء: " والعرب تقف على كل هاء مؤنث بالهاء إلا طيئًا ، فإنهم يقفون عليها بالتاء ، فيقولون: هذه أمتْ، وجاريتْ، وطلحتْ " (62) ، وقد ذكر سيبويه هذه الظاهرة وإن لم يسم القبيلة التي تخصها، وروى ذلك عن أبي الخطاب الأخفش، فقال :" وزعم أبو الخطاب أن ناسًا من العرب يقولون في الوقف: طلحتْ، كما قالوا في تاء الجميع قولاً واحدًا في الوقف والوصل " (63).
وعلى هذه اللغة، جاء قول بعضهم:" وعليه السلام والرحمتْ " (64) .
وقول أبي النجم العجلي:
* اللـه نجّـاك بكفــي مَسْلَمَتْ *
* من بعدهـا وبعدمـا وبعـد مَتْ *
* صارت نفوس القوم عند الغَلْصَمَتْ *
* وكادت الحرة أن تدعـى أمَتْ * (65)
وقول سؤر الذئب:
* بـل جَوْزتيها كظهر الحَجَفَتْ * (66)
وهذا الذي تصنعه طيئ، هو ما يوجد في اللغتين الأكادية والحبشية (67) من اللغات السامية أخوات اللغة العربية. وهو يروى كذلك عن اللغة الحميرية، قال ابن منظور: " والوثب: القعود، بلغة حمير، يقال: ثِبْ، أي اقعد. ودخل رجل على ملك من ملوك حمير فقال له الملك: ثِبْ، أي اقعد، فوثب فتكسر، فقال الملك: ليست   عندنا عربيّتْ، من دخل ظَفَارِ حَمّر، أي تكلم بالحميرية. قوله: عربيتْ، يريد: العربية، فوقف على الهاء بالتاء وكذلك لغتهم " (68).
وقد حدث ذلك أيضًا في كثير من المؤنثات العربية التي دخلت اللغة التركية، ولذلك كتبها الأتراك بالتاء المفتوحة، ومنها كثير من الأعلام العربية، التي جاءتنا من تركيا بصورتها الجديدة. مثل طلعت، وعزّت، وألفت ، وقسمت، ونعمت، وحشمت، ومدحت، وعفّت، وبهجت، وعصمت، وشوكت، ومِرْفت، وثروت، وغيرها. فهذه الأعلام ليست في الحقيقة إلا الصورة التركية للمصـادر والأسماء العربية التالية: طلعة، وعزة، وألفة، وقسمة، ونعمة، وحشمة، ومدحة، وعفّة، وبهجة، وعصمة، وشوكة، ومَرْوَة، وثروة ونحوها، غير أن العربية تروي لنا كذلك أن قبيلة طيئ كانت تقف على تاء جمع المؤنث السالم وما يماثلها بالهاء، وهذا ما يحكيه قطرب عنهم(69)، فقد سمع بعضهم يقول :" دَفْن البَنَاه من المكرماه" يريد: دفن البنات من المكرمات، ويقول : " كيف الإخوة والأَخَواه" يريد: كيف الإخوة والأخوات. ومثل ذلك أيضًا قولهم : " هيهاه" و" أولاه " في هيهات وأولات (70).
ويبدو أن ذلك لم يكن لغة لهم جميعًا، بدليل قول بعض المصادر العربية في عرض هذا الظاهرة :" وسمع إبدالها هاء في قول بعضهم  "(71). ونحن نفترض في بعض هؤلاء الطائيين أنهم كانوا يقفون على تاء التأنيث في المفرد بالهاء(72)، كما في العربية الفصحى تمامًا، غير أن هؤلاء القوم قاسوا تاء جمع المؤنث السالم على تاء تأنيث المفرد، ولاسيما تلك التاء التي تقع في المفرد بعد ألف، مثل تاء : صلاة، وزكاة، وحياة، وقناة، وأداة، وأناة، ونجاة، وحماة، وفلاة، ووفاة، وحصاة، ونواة، وفتاة، ودواة، ومهاة، وغيرها .
وقد فطن إلى هذا الشيخ خالد الأزهري فقال وهو يتحدث عن المثال " دفن البناه من المكرماه": "بإبدال تاء الجمع هاء في الوقف، تشبيهًا بتاء التأنيث الخالصة" (73).
وفي بعض اللهجات العربية المعاصرة كلهجة" القصيم" في الجزيرة العربية، قياس عكسي في هذه الظاهرة، إذ يقف الناس في لهجات الخطاب هناك على تاء التأنيث المسبوقة بالألف في المفرد، بالتاء ، قياسًا على الوقف على تاء جمع المؤنث السالم بالتاء. واللـه أعلم .
 

 

 

 



(1) كتاب سيبويه 1/237 .
(2) كتاب سيبويه 1/236 .
(3) سفر روث 1/5 .
(4) سفر المزامير 1/5 ، وانظر أمثلة أخرى في سفر التكوين 2/1 ، 6/2، 8/2 ، وسفر الأمثال 5/10 وغير ذلك.
(5) أحيقار حكيم من الشرق الأدنى القديم 33/1 ، وانظر أمثله أخرى في إنجيل متى 5/1 ، وإنجيل لوقا 1/23 ، وغير ذلك.
(6) انظر : ( النصوص 41 ) F.praetorius, Aethiopische Grammatik
(7) انظر : المصدر السابق ( النصوص 42 ).
(8) كتاب سيبويه 1/234 .
(9) انظر : بصائر ذوي التمييز 5/149 ، والقاموس المحيط ( الواو ) 4/413، ومغني اللبيب 2/365 .
(10) انظر : بصائر ذوي التمييز 5/149 ، وشرح التصريح 1/276 ، والقاموس المحيط ( الواو ) 4/413 ، ومغني اللبيب 2/365.
(11) انظر : الاشتقاق لابن دريد 361 .
(12) تفسير القرطبي 6/248 .
(13) تفسير القرطبي 11/268 ، وانظر : معاني القرآن للفراء 1/316 ، وشرح التصريح 1/275 –277 .
(14) انظر : مغني اللبيب 2/365 ، والقاموس المحيط ( الواو)4/413، وبصائر ذوي التمييز 5/146 .
(15) انظر : شرح الأشموني على الألفية 2/48 .
(16) انظر الفائق للزمخشري 3/73 ، والنهاية لابن الأثير 3/297 ، ولسان العرب ( عمد ) 4/296 ، وانظر أحاديث أخرى في إعراب الحديث للعكبري 28 - 39 .
(17) شرح شواهد المغني 113 ، وأمالي ابن الشجري 1/132 ، وشرح ديوان أبي تمام 3/10 .
(18) ديوانه ص 16 ، والدرر اللوامع 1/142 ، وأمالي ابن الشجري 1/133 ، وشرح التصريح 1/276 ، وهمع الهوامع 1/160 ، وإعراب الحديث للعكبري 40 ، وفي شرح شواهد المغني 265 :" عزاه السخاوي في المفصل إلى أحيحة بن الجلاح ".
(19) العيني على هامش الخزانة 2/473 .
(20) ديوانه ص 50 ، وكتاب سيبويه 1/236 ، وأمالي ابن الشجري 1/133 ، وشرح ديوان أبي تمام 1/224 ، وإعراب الحديث للعكبري 29-40 ، وشرح ابن يعيش 3/89 ، وهمع الهوامع 1/160 .
(21) ديوانه ق35/2 ص196 ، وأمالي ابن الشجري 1/131 ، وشرح التصريح 1/277 ، وهمع الهوامع 1/160 .
(22) ديوانه ص 91 ، وشرح التصريح 1/277 .
(23) ديوانه ق 58 / 4 ص 74 .
(24) شواهد التوضيح لابن مالك 192 .
(25) شواهد التوضيح لابن مالك 192 .
(26) شرح الديوان للخطيب التبريزي 2/214 .
(27) شرح الديوان للخطيب التبريزي 2/131 .
(28)شرح الديوان للخطيب التبريزي 3/178، وانظرأمثلة أخرى في1/224،2/128،2/288،3/10،3/74وغيرها.

(29) ديوانه ص 165 ، وانظر كذلك أمالي ابن الشجري 1/133 .
(30) ديوانه ص 169 ، وانظر كذلك أمالي ابن الشجري 1/133 .
(31) انظر : درة الغواص في أوهام الخواص ص 65 .
(32) انظر: شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي 152 .

(33) انظر : Gesenius, Hebräische Grammatik 115; 467 .
(34) سفر أشعيا 42/24 ، وانظر أمثلة أخرى في المزامير 132/12؛142/4؛143/8 وغير ذلك .

(35) انظر كتابنا: فصول في فقه العربية 39 -40 .
(36) انظر في ذلك : لسان العرب ( الألف اللينة )20/348 ، وشرح الحماسة للمرزوقي 2/591 ، والأزهية للهروي 303 ، وأمالي ابن الشجري 2/305 ، وشرح الرضي على الكافية 2/41 .
(37) البيت له في شرح المرزوقي للحماسة 2/591 ، وشرح التصريح 1/137 ، ولسان العرب ( الألف اللينة) 20/348 ، والأزهية 303 ، ومجمع الأمثال 1/45 ، وتوضيح المقاصد للمرادي 1/228 ، وأمالي ابن الشجري 2/305 ، وشرح التسهيل لابن مالك 1/222 ، وشرح ابن يعيش للمفصل 3/147 ، وتهذيب اللغة 15/44 ، والدرر اللوامع 1/59 ، وعجزه في شرح الرضى للكافية 2/41 ، وبصائر ذوى التمييز 3/25 .
(38) البيت له في ديوان حاتم الطائي 170 ، والنقائض 2/1082 ، وشرح المرزوقي للحماسة 3/1447؛ 4/1746 وخزانة الأدب 12/330 ، والمزهر 2/438 ، وألقاب الشعراء 2/327 ، وشرح ابن يعيش للمفصّل 3/148 وينسب له أو لعمرو بن ملقط الطائي في نوادر أبي زيد 61 .
(39) البيتان في لسان العرب: ( سلم ) 15/188 ،( ذو ) 20 /346 .
(40) البيت له في شرح المرزوقي للحماسة 2/640، وخزانة الأدب 2/295 ، وهو بلا نسبة في شرح الرضي على الكافية 2/41 .

(41) البيت في شرح المرزوقي للحماسة 2/642 ، وخزانة الأدب 2/296 .
(42) البيتان له في شرح الحماسة للمرزوقي 4/1809 ، ومعجم الشعراء للمرزباني 444 .
(43) ديوانه ص 272 ، وشعراء النصرانية قبل الإسلام 103، ورواه ابن قتيبة في الشعر والشعراء 1/249: " بموت فكن أنت الذي يتأخّر " ولا شاهد فيه !
(44) ديوانه ص 290 ، وشرح التسهيل لابن مالك 1/222 ، والعيني على هامش الخزانة 1/451.
(45) ديوانه ص 373 .
(46) نوادر أبى زيد 61 ، والكامل للمبرد 3/217 ، والأزهية للهروي 303 ، وأمالي ابن الشجري 2/305 ، وصدره في لسان العرب ( الألف اللينة ) 20/348 ، وتهذيب اللغة 15/45 .
(47) شرح المفصل لابن يعيش 3/148، ومعجم الشعراء 282، والدرر اللوامع 1/59، وشرح التصريح1/137.

(48) انظر: مجمع الأمثال للميداني 1/45، ونوادر أبي مسحل 2/462، ولسان العرب ( الألف اللينة) 20/248، وتهذيب اللغة 15/45 .
(49) انظر : الكامل للمبرد 3/219 ، وعنه في ديوان زيد الخيل الطائي 107 .
(50) البيان والتبيين 2/81 ، وانظر كذلك: لسان العرب ( ضبع ) 10/85 .
(51) المزهر للسيوطي 2/308 .
(52) الجنى الداني 242 ، وانظر : شرح التسهيل لابن مالك 1/227 ، وشرح التصريح 1/137 .
(53) انظر : شرح الرضي على الكافية 2/41 .
(54) روي البيت على هذه اللغة في شرح الحماسة للمرزوقي 2/1158 ، وشرح التسهيل لابن مالك 1/222 ، والمقرب 1/59 ، وتوضيح المقاصد للمرادي 1/229 .
(55) انظر : الأزهية 303 ، وشرح الرضي على الكافية 2/41 ، ولسان العرب ( الألف اللينة )20/348.
(56) أمالي ابن الشجري 2/305 .
(57) انظر : شرح الرضي على الكافية 2/41 .
(58) انظر : شرح التصريح 1/138 ، والأزهية 303 ، وأمالي ابن الشجري 2/305، ولسان العرب (الألف اللينة) 20/348 ، وتهذيب اللغة 15/44 ، وشرح التسهيل لابن مالك 1/218 ، والمقرب 1/59 .
(59) روى ذلك الفراء في كتابه لغات القرآن. انظر : شرح التصريح 1/138 ، والمقرب 1/59 .
(60) انظر : الأزهية 303 ، وأمالي ابن الشجري 2/305 ، والمقرب 1/58 ، وشرح التصريح 1/138 ، وشرح التسهيل لابن مالك 1/218 ، وانظر كذلك ملحق ديوان رؤبة ق 70/1 ص 180 .

(61) انظر في تفسير هذه الظاهرة : مقدمة تحقيقنا لكتاب البلغة لابن الأنباري .
(62) اللسان ( ها) 20/370 ، وانظر كذلك : شرح شواهد الشافية 4/199 .
(63) كتاب سيبويه 2/281 ، وانظر : شرح شواهد الشافية 4/218 .
(64) شرح ابن يعيش للمفصل 9/81، والخصائص 1/304، والمحتسب 2/92، وشرح شواهد الشافية 4/199؛  4/220.

(65) الأبيات لأبي النجم في اللسان (ما) 20/361 ، وشرح التصريح 2/344 ، والدرر اللوامع 2/214، وهي بلا نسبة في شرح المفصل 5/89،9/81 ، والعيني على هامش الخزانة 4/559 ، والدرر اللوامع 2/235 ، والخزانة  2/148 ، والخصائص 1/304 .
(66) هو لسؤر الذئب في 14 بيتًا في اللسان ( حجف ) 10/383 و 13 بيتًا في شرح شواهد الشافية 4/200 ، وهو بلا نسبة في اللسان ( بلل ) 13/74 ، والإنصاف 232 ، والمحتسب 2/92 ، والمخصص 9/7؛ 16/96؛  16/120 ، وشرح المفصل 2/118؛4/67 ؛ 5/89 ؛9/81؛10/45 ، والخصائص 1/304؛2/98 .
(67) انظر : فقه اللغات السامية لبروكلمان 96 .
(68) لسان العرب ( وثب) 2/291 ، والخصائص 2/28 ، وإصلاح المنطق 162 ، والمخصص 16 /84 .
(69) انظر: الممتع 1/402، وشرح التصريح 2/343، وشرح ابن يعيش للمفصل20/45 .
(70) انظر: شرح الأشموني 4/214، وهمع الهوامع 2/209، والممتع 1/402، وشرح التصريح 2/343 .
(71) انظر: شرح الأشموني 4/214 .
(72) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 10/45 .
(73) شرح التصريح 2/343 .

 

 

 

 

 

 
 

 

  • اخترنا لكم من هذا القسم »


  • المحسنات المعنوية - الاستطراد

    موقف السّيُوطي من الأغلاط اللغَويّة

    عسى: فعل وانها حرف قول شاذ

     

  • من مقالات الشبكة »


  •   وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب
      ما حكم المبيت في منى ليلة عرفة
      يدعي أن الجن المسلمين يخدمونه في علاجه
      التحذير من المذهب الخطير
      أشياء غريبة يقع فيها الكثيرون

     

     

    اخبر صديقك:

     

     
     
     
     
       

     

    المتصلون الآن  (  )  

     

    1424-1430

    2003-2010

     

    حقوق الشبكة محفوظة ® لكل مسلم  شرط: الإشارة لكاتب الموضوع واسم الشبكة

    المقالات المنشورة في الشبكة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة  

     

    هذا الموقع لأهل الـسنة والجماعة ........والموقع لا يتبع أي حركة سياسية أو حزبية أو دولة بعينها بل هو موقع لجميع المسلمين في العالم بأسره.

     موقع خيري لا يهدف إلى الربح المادي ، ساهم معنا بنشر عنوان موقعنا والتعريف بأنشطته لتحصل على الأجر والثواب ...

    واعلم أن مشاركتك معنا في ذلك هو تأدية لواجب الدعوة إلى الله

    قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « من دعا إلى هدى كان لـه من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً..»

    وقال صلى الله عليه وسلم : « من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله »

     

    احصائيات شبكة المنهاج الاسلامية في رتب

     

    زوار شبكة المنهاج الاسلامية حسب الدول