للنحاة في انتصاب النكرة على التمييز بعد ((
نعم وبئس )) مع الفاعل الظاهر قولان :
الأول :
المنع ، وإليه ذهب ابن السراج([1])
، وابن هشام([2])
، والأشموني([3])
، والسيوطي([4])
، فلا يصح عندهم أن يقال : نِعْمَ الرجلُ رَجُلاً زيدٌ ، حيث جاء التمييز ( رجلاً )
منصوبا بعد الفاعل الظاهر ( الرجل ) .
الثاني :
الجواز
، وإليه ذهب المبرد([5])
، والفارسي([6])
، وابن جني([7])
، وابن مالك([8])
، وآخرون .
وذكر الإمام العيني هذه المسألة النحوية في
شرحه ، واحتج على الجواز بالحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة
t
قال : قال رسول الله
r
: (( نِعْمَ المَنِيْحَةُ اللِّقْحَةُ الصّفِيُّ مِنْحَةً ، والشاةُ الصَّفيُّ
تَغدُو بإِناءٍ وَتَروُحُ بإناءٍ ))([9])
، فقد جاء التمييز (( مِنْحَةً )) منصوبا بعد ذكر الفاعل الظاهر (( المنيحة )) ،
قال العيني في معرض شرح هذا الحديث : (( قوله ( منِْحَةً ) نصب على التمييز ، وفيه
وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهراً ، وهذا منعه سيبويه إلا مع الإضمار ، وجوَّزه
المبرد وهو الصحيح ))([10])
.
وما ذهب إليه الإمام العيني من جواز مـجيء
التمييز نكرة بعد ذكر فاعل
( نعم ) ظاهرًا هو الذي يؤيده السماع الصحيح ، ومنه الحديث الشريف الذي احتج به ،
ومن السماع الصحيح أيضًا ؛ ما نقل عن الصحابة
y
، ومنه ما رواه البخاري : قول امرأة عبد الله بن عمرو وهي تتحدث عنه : (( نعمَ
الرجلُ من رَجُلٍ ؛ لم يَطَأْ لنا فِرَاشا ، ولم يُفَتِّشْ لنا كَنَفاً مُنْذُ
أتيناهُ ))([11])
، و ( مِنْ ) زائدة ، و ( رَجلٍ ) اسم مجرور لفظا منصوب محلاً على أنه تمييز للفاعل
الظاهر ( الرجل ) .
ومن النثر
قول الحارث بن عباد : نعمَ القتيلُ قتيلاً ، أصلحَ بين بكرٍ وتغلب([12])
.
ومما ورد في الشعر قول جرير :
تَزَّودْ
مِثْلَ زادِ أبيك فينا فنِعْمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا([13])
حيث جمع الشاعر بين الفاعل الظاهر ( الزاد )
، والتمييز المنصوب ( زاداً ) ، ومثله قول جرير أيضا :
والتَّغْلِبيُّونَ بِئْس الفَحْلُ فَحْلُهُم فَحْــــــلاً ، وُأُمُّهم
زَلاَّءُ مِنْطِـــيْقُ([14])
فقد
جمع الشاعر فيه بين الفاعل الظاهر ( الفحلُ ) والنكرة المنصوبة بعده ( فحلاً ) .
كتاب :
الاحتجاج النحوي بالحديث النبوي عند الإمام بدر الدين
العيني في ضوء كتابه ( عمدة القاري )
المؤلف : د. محمد عبد القادر هنادي
باحث وأستاذ جامعي في المدينة المنورة