أولاً- حول خصائص حرفيها
ومعانيهما الفطرية:
1-(الهمزة)- انفجار صوتي يوحي بالبروز،
مما يجعلها حاجزاً صوتياً يحول دون الجمع بين –المتعاطفين.
2-(الواو) للجمع العشوائي بلا ترتيب في الزمان أو المكان.
ونظراً للتناقض بين معاني حرفيها، فإن
متعاطفيها لا تتوافر لها شروط الجمع.
فما انعكاس ذلك على استعمالاتها
التراثية؟
ثانياً- حول معانيها
واستعمالاتها التراثية:
لقد استنبط اللغويون لها اثني عشر معنى
هي:
((الشك، والإبهام،
والتخيير، والإباحة، والجمع المطلق كالواو، والإضراب، والتقسيم، وبمعنى (إلى)،
والتقريب والشرط والتبعيض)).
ولكن (ابن هشام) يخلص من مناقشة هذه
المعاني إلى التنبيه التالي:
((التحقيق أن (أو) موضوعة لأحد الشيئين
أو الأشياء، وهو الذي يقوله الأقدمون. وقد تخرج إلى معنى (بل)، وإلى معنى (الواو).
أما بقية المعاني فمستفادة من غيرها..) (مغني اللبيب ج1 ص67).
وهكذا لم يثبت لها لدى (ابن هشام) سوى
ثلاثة معان. فهل ستتوافق هذه المعاني مع الخصائص الفطرية لحرفيها؟.
المعنى الأول- للتخيير: وهو إما لأحد
الشيئين نحو: ((تزوج هنداً أو سعدى)). وإما لأحد الأشياء، كما في قوله تعالى:
((فكفَّارةٌ، إطعام عشرة مساكينَ من أواسطِ ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحريرُ
رقبة))(3). وواضح أن الجمع في هذين المثالين مع (أو) غير حقيقي، فإما (هند) أو
(سعدى). وإما الإطعام أو الإكساء، أو تحرير رقبة.
وهذا المعنى يتوافق مع محصلة الخصائص
المتناقضة في معاني الهمزة والواو).
المعنى الثاني- الإضراب بمعنى (بل): كما
في قوله تعالى: ((وأرسلناهُ إلى مئةِ ألفٍ أو يزيدون))(4). أي (بل) يزيدون. وهكذا
تكون (أو) قد فصلت (يزيدون) عن (مئة ألفٍ). فاقتصر –حكم الإرسال على الزيادة، دون
أن يتوقف عند (مئة ألف). فكانت (أو) بذلك للإضراب عنها.
وهذا يتوافق مع وظيفة (الهمزة) كحاجز
صوتي في (أو) كما أسلفنا.
المعنى الثالث- للجمع المطلق كالواو: وقد ضربوا لذلك الأمثلة التالية: كقول تؤبة.
لِنفسي تُقاها أو عليها فُجورُها)).
((وقد زعمتْ ليلى بأنّيَ فاجرٌ
ولكن الجمع هنا فيما نرى غير حقيقي، فهو
أقرب إلى (التخيير). فالأمر يتوقف على تقوى نفسه أو فجورها. فإذا كانت (تقيَّةً)
فلها تقاها. وإن كانت (فاجرةً) فعليها فجورها. ونفسه هي إمَّا تقية أو فاجرة. وهذا
أقرب إلى (التخيير) منه إلى (الجمع).
كما ضربوا لذلك قول النابغة.
ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرهِ أو سافِعِ)).
قومٌ إذا سمعوا الصريخَ رأيتَهم
والجمع هنا مع (أو) غير مستوف شروطه. فالذي يُلجِم مهرَه لا يتسنى له سفعُه. أي،
((أن يقبض عليه ويجذبه بشدة)). فهو إما أن يلجمه، وإما أن يسفعه. وتأويل الجمع هنا
ينصرف إلى أن القوم موزعون بين فئتين اثنتين: الفئة الأولى يقوم أفرادها بلجْم
أمهارهم والفئة الثانية يقوم أفرادها بسفعها. بمعنى أن يقبض عليها ويجذبها بشدّة.
وبذلك يستحيل أن يقوم أي واحد من الفئتين
بلجم مهره وسفعه في آن واحد. فكانت (أو) هنا أقرب إلى (التخيير) أيضاً.
وهكذا لم يثبت لدينا من معاني (أو) سوى اثنين: ((التخيير والإضراب))، بما يتوافق مع
محصلة الخصائص الفطرية المتناقضة لحرفيها. فالهمزة تحجز الحكم مما قبلها، والواو
تعطف الحكم على ما يليها.
وهذه القلة في معاني (أو) تعود إلى التناقض في خصائص حرفيها، فاقتصرت على الحالات
القليلة التي صالحت بين هذه المعاني المتناقضة.
حـروف المعاني بين الأصالة والحـداثة - حسن عباس
دراسة -من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق2000